فصل: الخبرعن شأن يغمراسن مع مغراوة وبني توجين وما كان بينهم من الأحداث

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن نهوض السعيد صاحب مراكش ومنازلته يغمراسن بجبل تامز زدكت ومهلكه هنالك

لما انقضت دولة بني عبد المؤمن وانتزى الثوار والدعاة بقاصية أعمالهم وقطعوها عن ممالكهم فاقتطع ابن هود ما وراء البحر من جزيرة الأندلس واسبتد بها وورى بالدعاء للمستنصر بن الظاهر خليفة بغداد من العباسيين لعهده ودعا الأمير أبو زكريا بن أبي حفص بإفريقية لنفسه وسما إلى جمع كلمة زناتة والتغلب على كرسي الدعوة بمراكش فنازل تلمسان وغلب عليها سنة أربعين‏.‏وقارن ذلك ولاية السعيد علي بن المأمون إدريس بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وكان شهماً حازماً يقظاً بعيد الهمة فنظر في أعطاف دولته وفاوض الملأ في تثقيف أطرافها وتقويم مائلها‏.‏وأثار حفائظهم ما وقع من بني مرين في ضواحي المغرب ثم في أمصاوه واستيلائهم على مكناسة وإقامتهم الدعوة الحفصية فيها كما نذكره‏.‏فجهز العساكر وأزاح عللهم واستنفر عرب المغرب وقبائله واحتشد كافة المصامدة‏.‏ونهض من مراكش آخر سنة خمس وأربعين يريد القاصية ويشرد بني مرين عن الأمصار الدانية‏.‏واعترض العساكر والحشود بوادي بهت وأغذ السير إلى تازي فوصلته هنالك طاعة بني مرين كما نذكره‏.‏ونفر معه عسكر منهم ونهض إلى تلمسان وما وراءها‏.‏ونجا يغمراسن بن زيان وبنو عبد الواد بأهليهم وأولادهم إلى قلعة تامز زدكت قبلة وجدة فاعتصموا بها‏.‏ووفد على السعيد الفقيه عبدون وزير يغمراسن مؤدياً للطاعة ثابتاً في مذاهب الخدمة ومتولياً من حاجات الخليفة بتلمسان لما يدعوه إليه ويصرفه في سبيله ومعذراً و يغمراسن عن وصول يغمراسن فلج الخليفة في شأنه ولم يعذره‏.‏وأبى إلا مباشرة طاعته بنفسه وساعده ذلك كانون بن جرمون السفياني صاحب الشورى بمجلسه ومن حضر من الجلة رجعوا عبدونا لاستقدامه فتثاقل خشية على نفسه‏.‏واعتمد السعيد الجبل في عساكره وأناخ بها في ساحه وأخذ بمخنقهم ثلاثاً ولرابعتها ركب مهجراً على حين غفلة من قايلتهم ليتطوف على المعتصم ويتقرى مكانه‏.‏وبصر به فارس من القوم يعرف بيوسف بن عبد المؤمن الشيطان كان أسفل الجبل للاحتراس وقريباً منه يغمراسن بن زيان وابن عمه يعقوب بن جابر فانقضوا عليه من بعض الشعاب وطعنه يوسف فأكبه عن فرسه‏.‏وقتل يعقوب بن جابر وزيره يحيى بن عطوش‏.‏ثم استلحموا لوقتهم مولييه ناصحاً من المعلوجي وعنبراً من الخصيان وقائد جند النصارى أخو القمط ووليداً يافعاً من ولد السعيد‏.‏ويقال إنما كان يوم عبأ العساكر وصعد الجبل للقتال وتقدم أمام الناس فاقتطعه بعض الشعاب المتوعرة في طريقه فتواثب به هؤلاء الفرسان وكان ما ذكرناه وذلك لصفر من سنة ست وأربعين‏.‏

  الخبر فأجفلوا وبادر يغمراسن إلى السعيد

وهو صريع بالأرض فنزل إليه وحياه وفداه وأقسم له على البراءة من هلكته والخليفة واجم بمصرعه يجود بنفسه إلى أن فاض وانتهب المعسكر بجملته وأخذ بنو عبد الواد ما كان به من الأخبية والفازات‏.‏واختص يغمراسن بفسطاط السلطان فكان له خالصة دون قومه واستولى على الذخيرة التي كانت فيه‏:‏ منها مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه يزعمون أنه أحد المصاحف التي انتسخت لعهد خلافته وأنه كان في خزائن قرطبة عند ولد عبد الرحمن الداخل حتى صار في ذخائر لمتونة فيما صار إليهم من ذخائر ملوك الطوائف بالأندلس ثم إلى ذخائر الموحدين من خزائن لمتونة وهو لهذا العهد في خزائن بني مرين بفاس فيما استولوا عليه من ذخيرة آل زيان حين غلبهم إياهم على تلمسان واقتحامها عنوة على ملكها منهم عبد الرحمن بن موسى بن عثمان بن يغمراسن فريسة السلطان أبي الحسن مقتحمها غلاباً سنة سبع وثلاثين كما نذكره‏.‏ومنها العقد المنتظم من خرزات الياقوت الفاخرة والدرر المشتمل على مئين متعددة من حصبائه يسمى بالثعبان وصار في خزائن بني مرين منذ ذلك الغلاب فيما اشتملوا عليه من ذخيرتهم إلى أن تلف في البحر عند غرق الأسطول بالسلطان أبي الحسن بمراسي بجاية مرجعه من تونس حسبما نذكره بعد إلى ذخائر من أمثاله وطرف من أشباهه بما يستخلصه الملوك لخزائنهم ويعنون به من ذخائرهم‏.‏ولما سكنت النغرة وركد عاصف تلك الهيمة نظر يغمراسن في شأن مواراة الخليفة فجهز ورفع علي الأعواد إلى مدفنه بالعباد بمقبرة الشيخ أبي مدين عفا الله عنه‏.‏ثم نظر في شأن حرمه وأخته تاعزونت الشهيرة الذكر بعد أن جاءها واعتذر إليها مما وقع وأصحبهن جملة من مشيخة بني عبد الواد إلى مأمنهم ألحقوهن بدرعة عند تخوم طاعتهم فكان له بذلك حديث جميل في الإبقاء على الحرم ورعى مراتب الملك‏.‏ورجع إلى تلمسان وقد خضدت شوكة بني عبد المؤمن وأمنهم على سلطانه‏.‏والبقاء لله وحده قد ذكرنا ما كان من هذين الحيين من المناغاة والمنافسة منذ الآماد المتطاولة بما كانت مجالات الفريقين بالصحراء متجاورة وكان التخم بين الفريقين من وادي صا إلى فيكيك‏.‏وكان بنو عبد المؤمن عند فشل الدولة وتغلب بني مرين على ضاحية المغرب يستجيشون ببني عبد الواد مع عساكر الموحدين على بني مرين فيجوسون خلال المغرب ما بين تازى إلى فاس إلى القصر في سبيل المظاهرة للموحدين والطاعة لهم‏.‏وسنذكر في أخبار بني مرين كثيراً من ذلك‏.‏فلما هلك السعيد وأسف بنو مرين إلى ملك المغرب سما ليغمراسن أمل في مزاحمتهم‏.‏وكان أهل فاس بعد تغلب أبي يحيى بن عبد الحق عليهم قد نقموا على قومه سوء السيرة وتمشت رجالاتهم في اللياذ بطاعة الخليفة المرتضى ففعلوا فعلتهم في الفتك بعامل أبي يحيى بن عبد الحق والرجوع إلى طاعة الخليفة‏.‏وأغذ أبو يحيى السير إلى منازلهم فحاصرهم شهورا‏.‏وفي أثناء هذا الحصار اتصلت المخاطبة بين الخليفة المرتضى ويغمراسن بن زيان في الأخذ بحجرة أبي يحيى بن عبد الحق عن فاس فأجاب يغمراسن داعيه واستنفر لها إخوانه من زناتة فنفر معه عبد القوي بن عطية بقومه من بني توجين وكافة القبائل من زناتة والمغرب ونهضوا جميعاً إلى المغرب‏.‏وبلغ خبرهم إلى أبي يحيى بن عبد الحق بمكانه من حصار فاس فجمر كتائبه عليها ونهض للقائهم في بقية العساكر والتقى الجمعان بايسلى من ناحية وجدة‏.‏وكانت هنالك الواقعة المشهورة بذلك المكان انكشفت فيها جموع يغمراسن وهلك منهم يغمراسن بن تاشفين وغيره ورجعوا في فلهم إلى تلمسان‏.‏واتصلت بعد ذلك بينهم الحروب والفتنات سائر أيامه وربما تخللتها المهادنات قليلا‏.‏وكان بينه وبين يعقوب بن عبد الحق ذمة مواصلة أوجب له رعيها وكثيراً ما كان عنه أخاه أبا يحيى من أجلها‏.‏ونهض أبو يحيى بن عبد الحق سنة خمس وخمسين إلى قتاله وبرز إليه يغمراسن وتزاحفت جموعهم بأبي سليط فانهزم يغمراسن واعتزم أبو يحيى على أتباعه فثناه عن ذلك أخوه يعقوب بن عبد الحق‏.‏ولما قفلوا إلى المغرب صمد يغمراسن إلى سجلماسة لمداخلة كانت بينه وبين المنبات من عرب المعقل أهل مجالاتها وذئاب فلاتها حدثته نفسه اهتبال الغرة في سجلماسة من أجلها وكانت قد صارت إلى إيالة أبي يحيى بن عبد الحق منذ ثلاث كما ذكرناه في أخبارهم ونذر بذلك أبو يحيى فسابق إليها يغمراسن بمن حضره من قومه فثقفها وسد فرجها‏.‏ووصل يغمراسن عقب ذلك بعساكره وأناخ بها وامتنعت عليه فأفرج عنها قافلاً إلى تلمسان‏.‏وهلك أبو يحيى بن عبد الحق إثر ذلك منقلبه إلى فاس فاستنفر يغمراسن أولياءه من زناتة وأحياء زغبة‏.‏ونهض إلى المغرب سنة سبع وخمسين وانتهى إلى كلدمان‏.‏ولقيه يعقوب بن عبد الحق في قومه فأوقع به وولى يغمراسن منهزماً‏.‏ومر بطريقه بتافرسيت فانتسفها وعاث في نواحيها‏.‏ثم تداعوا للسلم ووضع أوزار الحرب وبعث يعقوب بن عبد الحق ابنه أبا مالك لذلك فتولى عقده وإبرامه‏.‏ثم كان التقاؤهما سنة تسع وخمسين براجر قبالة بني يزناسن واستحكم عقد الوفاق بينهما بعد ذلك واتصلت المهادنة إلى أن كان بينهما ما نذكره إن شاء اللة تعالى‏.‏

  الخبر عن كائنة النصاري وإيقاع يغمراسن بهم

كان يغمراسن من بعد مهلك السعيد وانفضاض عساكر الموحدين قد استخدم طائفة من جند النصارى الذين كانوا في جملته مستكثراً بهم معتداً بمكانهم ومباهياً بهم في المواقف والمشاهد‏.‏وناولهم طرفاً من حبل عنايته واعتزوا به واستفحل أمرهم بتلمسان حتى إذا كانت سنة اثنتين وخمسين بعد مرجعه من بلاد توجين في إحدى حركاته إليها كانت قصة غدرهم الشنعاء التي أحسن الله في دفاعها عن المسلمين‏.‏وذلك أنه ركب في بعض أيامه لاعتراض الجنود بباب المغرمادين من أبواب تلمسان‏.‏وبينما هو واقف في موكبه عند قايلة الضحى عدا عليه قائدهم وبادر النصارى إلى محمد بن زيان أخي يغمراسن فقتلوه وأشار له بالنجوى فبرز من الصف لإسراره وأمكنه من أذنه فتنكبه النصراني وقد خالطه روعة أحس منها يغمراسن بمكره فانحاص منه‏.‏وركض النصراني أمامه يطلب النجاة‏.‏وتبين الغدر وثارت بهم الدهماء من الحامية والرعايا فأحيط بهم من كل جانب وتناولتهم أيدي الهلاك في كل مهلك قعصاً بالرماح وهبراً بالسيوف وشدخاً بالعصي والحجارة حتى استلحموا وكان يوماً مشهوداً‏.‏ولم يستخدم من بعدها جند النصارى بتلمسان حذراً من غائلتهم‏.‏ويقال إن محمد بن زيان هو الذي داخل القائد في الفتك بأخيه يغمراسن وأنه إنما قتله عندما لم يتم لهم الأمر تبرياً من مداخلته فلم يمهله غاشي الهيعة للتثئت في شأنها‏.‏والله أعلم‏.‏

  الخبر عن تغلب يغمراسن على سجلماسة ثم مصيرها بعد إلي أيالة بني مرين

كان عرب المعقل منذ دخول عرب الهلاليين إلى الصحراء المغرب الأقصى أحلافاً وشيعاً لزناتة وأكثر انحياشهم إلى بني مرين إلا ذوي عبيد الله منهم بما كانت مجالاتهم لصق مجالات بني عبد الواد أو مشاركة لها‏.‏ولما استفحل شأن بني عبد الواد بين أيدي ملكهم زاحموهم عنها بالمناكب ونبذوا إليهم العهد واستخلصوا دونهم المنبات من ذوي منصور أقتالهم فكانوا حلفاء وشيعة ليغمراسن ولقومه‏.‏وكان سجلماسة في مجالاتهم ومنقلب رحلتهم وكانت قد صارت إلى ملك بني مرين ثم استبد بها القطراني ثم ثاروا به ورجعوا إلى طاعة المرتضى‏.‏وتولى كبر ذلك علي بن عمر كما ذكرناه في أخبار بني مرين‏.‏ثم تغلب المنبات على سجلماسة وقتلوا عاملها علي بن عمر سنة اثنتين وستين وآثروا يغمراسن بملكها وداخلوا أهل البلد في القيام بدعوته وحملوهم عليها‏.‏وجأجأوا بيغمراسن فنهض إليها في قومه وأمكنوه من قيادها فضبطها وعقد عليها لولده يحيى‏.‏وأنزل معه ابن أخته حنينة واسمه عبد الملك بن محمد بن علي بن قاسم درع من ولد محمد وأنزل معهما يغمراسن بن حمامة فيمن معهم من عشائرهم وحشمهم‏.‏فأقام ابنه يحيى أميراً عليها إلى أن هلك فأدال منه بعبد الملك ابن أخته فلم يزل والياً عليها إلى أن غلب يعقوب بن عبد الحق الموحدين على دار خلافتهم‏.‏وأطاعته طنجة وعامة بلاد المغرب فوجه عزمه إلى انتزاع سجلماسة من طاعة يغمراسن‏.‏وحف إليها في العساكر والحشود من زناتة والعرب والبربر ونصبوا عليها آلات الحصار إلى أن سقط جانب من سورها فاقتحموها منه عنوة في صفر سنة ثلاث وسبعين واستباحوها وقتل القائدان عبد الملك بن حنينة ويغمراسن بن حمامة ومن معهم من بني عبد الواد وأمراء المنبات وصارت إلى طاعة بني مرين آخر الأيام‏.‏والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده‏.‏

  الخبر عن حروب يغمراسن مع يعقوب بن عبد الحق

قد ذكرنا ما كان من شأن بني عبد المؤمن عند فشل دولتهم واستطالة بني مرين عليهم في الاستظهار ببني عبد الواد واتصال اليد بهم في الأخذ بحجرة عدوهم من بني مرين عنهم ولما هلك المرتضى وولي أبو دبوس سنة خمس وستين وحمي وطيس فتنته مع يعقوب بن عبد الحق فراسل يغمراسن في مدافعته وأكد العهد وأسنى الهدية فأجابه إليها يغمراسن وشن الغارات على ثغور المغرب وأضرمها ناراً‏.‏وكان يعقوب بن عبد الحق محاصراً لمراكش فأفرج عنها ورجع إلى المغرب واحتشد جموعه ونهض إلى لقائه‏.‏وتزاحف الفريقان بوادي تلاغ وقد استكمل كل تعبيته وكانت الوقيعة على يغمراسن استبيحت فيها حرمه واستلحم قومه وهلك ابنه عمر أبو حفص أعز ولده عليه في أتراب له من عشيره‏:‏ مثل ابن عبد الملك بن حنينة وابن يحيى بن مكن وعمر بن إبراهيم بن هشام فرجع عنه يعقوب بن عبد الحق إلى مراكش حتى انقضى شأنه في التغلب عليها ومحا أثر بني عبد المؤمن منها وفرغ لمحاربة بني عبد الواد‏.‏وحشد كافة أهل المغرب من المصامدة والجموع والقبائل‏.‏ونهض إلى بني عبد الواد سنة سبعين فبرز إليه يغمراسن في قومه وأوليائهم من مغراوة والعرب وتزاحفوا بايسلي من نواحي وجدة فكانت الدبرة على يغمراسن‏.‏وانكشفت جموعه وقتل ابنه فارس ونجا بأهله بعد أن أضرم معسكره ناراً تفادياً من معرة اكتساحه‏.‏ونجا إلى تلمسان فانحجر بها وهدم يعقوب بن عبد الحق وجدة ثم نازله بتلمسان واجتمع إليه هنالك بنو توجين مع أميرهم محمد بن عبد القوي وصل يده بيد السلطان على يغمراسن وقومه وحاصروا تلمسان أياماً فامتنعت عليهم وأفرجوا عنها‏.‏وولى كل إلى عمله ومكان ملكه حسبما نذكره في أخبارهم‏.‏وانعقدت بينهما المهادنة من بعد ذلك وفرغ يعقوب بن عبد الحق للجهاد ويغمراسن لمغالبة توجين ومغراوة على بلادهم إلى أن كان من شأنهم ما نذكره‏.‏

  الخبرعن شأن يغمراسن مع مغراوة وبني توجين وما كان بينهم من الأحداث

كانت أحياء من مغراوة في مواطنهم الأولى من نواحي شلف قد سالمتهم الدول عند تلاشي ملكهم وساموهم الجباية فرضوا بها‏:‏ مثل بني ورسيفين وبني يليت وبني ورتزمير‏.‏وكان فيهم سلطان لبني منديل بن عبد الرحمن من أعقاب آل خزر ملوكهم الأولى ومنذ عهد الفتح وما بعده على ما ذكرناه في خبرهم‏.‏فلما انتثر عقد الخلافة بمراكش وتشظت عصاها وكثر الثوار والخوارج بالجهات واستقل منديل بن عبد الرحمن وبنوه من بعده بتلك الناحية وملكوا مليانة وتنس وبرشك وشرشال وما إليها وتطاولوا إلى متيجة فتغلبوا عليها‏.‏ثم مدوا أيديهم إلى جبل وانشريش وما إليه فتناولوا الكثير من بلاده ثم أزاحهم عنها بنو عطية وقومهم من بني توجين المجاورون لها في مواطنهم بأعلى شلف شرقي أرض السرسو وكان ذلك لأول دخول أحياء زناتة الناجعة بأرض القبلة إلى التلول فتغلب بنو عبد الواد على نواحي تلمسان إلى وادي صا‏.‏وتغلب بنو توجين على ما بين الصحراء والتل من بلد المدية إلى جبل وانشريش إلى مرات إلى الجعبات‏.‏وصار التخم لملك بني عبد الواد سيك والبطحاء‏:‏ فمن قبليها لمواطن بني توجين ومن شرقها مواطن مغراوة‏.‏وكانت الفتنة بين بني عبد الواد وبين هذين الحيين منذ أول دخولهم إلى التلول وكان المولى الأمير أبو زكرياء بن أبي يستظهر بهذين الحيين على بني عبد الواد ويراغمهم بهم حتى كان من فتح تلمسان ما قدمناه وألبس جميعهم شارة الملك على ما ذكرناه ونذكره في أخبارهم فزاحموا يغمراسن بعدها بالمناكب وصرف هو إليهم وجه النقمات والحروب‏.‏ولم يزل الشأن ذلك حتى انقرض ملك الحيين لعهد ابنه عثمان بن يغمراسن وعلى يده ثم على يد بني مرين كما يأتي ذكره‏.‏ولما رجع يغمراسن بن زيان من لقاة بني مرين بايسلي من نواحي وجدة التي كانت سنة سبع وأربعين وكان معه فيها عبد القوي بن عطية بقومه من بني توجين وهلك مرجعه منها فنبذ يغمراسن العهد إلى ابنه محمد الأمير بعده وزحف إلى بلاده فجاس خلالها ونازل حصونها فامتنعت عليه‏.‏وأحسن محمد بن عبد القوي في دفاعه ثم زحف ثانية سنة خمسين إليهم فنازل حصن تافركينت من حصونهم‏.‏وكان به على بني زيان حافد محمد بن عبد القوي فامتنع به في طائفة من قومه‏.‏ورحل عنه يغمراسن كظيماً ولم يزل يغمراسن بعدها يشن الغارة على بلادهم ويجمر الكتائب على حصونهم‏.‏وكان بتافركنيت صنيعه من صنائع بني عبد القوي ونسبه في صنهاجة أهل ضاحية بجاية اختص بهذا الحصن ورسخت قدمه فيه واعتز بكثرة ماله وولده فأحسن الدفاع عنه وكان له مع يغمراسن في الامتناع عليه أخبارمذكورة حتى سطا به بنو محمد بن عبد القوي حين شرهوا إلى نعمته وأنفوا من استبداده فأتلفوا نفسه وتخطفوا نعمته فكان حتف ذلك الحصن في حتفه كما يأتي ذكره‏.‏وعندما شبت نار الفتنة بين يغمراسن وبين محمد بن عبد القوي وصل محمد يده يعقوب بن عبد الحق‏.‏فلما نازل يعقوب تلمسان سنة سبعة بعد أن هدم وجدة وهزم يغمراسن بايسلي جاءه محمد بن عبد القوي بقومه من بني توجين وأقام معه على حصارها‏.‏ورحلوا بعد الامتناع عليهم فرجع محمد إلى مكانه ثم عاود يعقوب بن عبد الحق منازلة تلمسان سنة ثمانين وستماية بعد إيقاعه بيغمراسن في خرزوزة فلقيه محمد بن عبد القوي بالقصبات‏.‏واتصلت أيديهم على تخريب بلاد يغمراسن ملياً فنازلوا تلمسان أياماً ثم افترقوا ورجع كل إلى بلده‏.‏ولما خلص يغمراسن بن زيان من حصاره زحف إلى بلادهم وأوطأ عساكره أرضهم وغلب على الضاحية وخرب عمرانها إلى أن تملكها بعده ابنه عثمان كما نذكر‏.‏وأما خبره مع مغراوة فكان عماد رأيه فيهم التضريب بين بني منحيل بن عبد الرحمن للمنافسة التي كانت بينهم في رياسة قومهم‏.‏ولما رجع من واقعة تلاغ سنة ست وستين وهي الواقعة التي هلك فيها ولده عمر زحف بعدها إلى بلاد مغراوة فتوغل فيها وتجاوزها إلى من وراءهم من مليكش والثعالبة وأمكنه عمر من مليانة سنة ثمان وستين على شرط المؤازرة والمظاهرة على إخوته فمالكها يغمراسن يومئذ وصار الكثير من مغراوة إلى ولايته وزحفوا إلى المغرب سنة سبعين‏.‏ثم زحف بعدها إلى بلادهم سنة اثنتين وسبعين فتجافى له ثابت بن منديل عن تنس بعد أن أثخن في بلادهم ورجع عنها فاسترجعها ثابت‏.‏ثم نزل له عنها ثانياً سنة إحدى وثمانين بين يدي مهلكه عندما تم له الغلب عليهم والإثخان في بلادهم إلى أن كان الاستيلاء عليها لابنه عثمان على ما نذكره‏.‏

  الخبر عن انتزاء الزعيم ابن مكن ببلد مستغانم

كان بنو مكن هؤلاء من عالية القرابة من بني زيان يشاركونهم في نسب محمد بن زكدان بن تيدوكسن بن طاع الله وكان لمحمد هذا أربعة من الولد كبيرهم يوسف‏:‏ ومن ولده جابر بن يوسف أول ملوكهم وثابت بن محمد‏.‏ومن ولده زيان بن ثابت أبو الملوك من بني عبد الواد ودرع بن محمد‏.‏ومن ولده عبد الملك بن محمد بن علي بن قاسم بن درع المشتهر بأمه حنينة أخت يغمراسن بن زيان ومكن بن محمد‏.‏وكان له من الولد يحيى وعمرش وكان من ولد يحيى الزعيم وعلي وكان يغمراسن بن زيان كثيراً ما يستعمل قرابته في الممالك ويوليهم على العمالات وكان قد استوحش من يحيى بن مكن وابنه الزعيم وغربهما إلى الأندلس فأجازا من هنالك إلى يعقوب بن عبد الحق سنة ثمانين ولقياه بطنجة في إحدى حركات جهاده‏.‏وزحف يعقوب بن عبد الحق إلى تلمسان عامئذ وهما في جملته فأدركتهما النعرة عنى قومهما وآثرا مفارقة السلطان إليهم فأذن لهما في الانطلاق ولحقا بيغمراسن بن زيان‏.‏حتى إذا كانت الواقعة عليه بخرزوزة سنة ثمانين كما قدمناه وزحف بعدها إلى بلاد مغراوة وتجافى له ثابت بن منديل عن مليانة وانكفأ راجعاً إلى تلمسان استعمل على ثغر مستغانم الزعيم بن يحيى بن مكن‏.‏فلما وصل إلى تلمسان انتقض عليه ودعا إلى الخلاف ومالأ عدوه من مغراوة على المظاهرة عليه فصمد إليه يغمراسن وأحجره بها حتى لاذ منه بالسلم على الإجازة فعقد له وأجازه‏.‏ثم أجاز له على أثره أباه يحيى واستقر بالأندلس إلى أن هلك يحيى سنة اثنتين وتسعين‏.‏ووفد الزعيم بعد ذلك على يوسف بن يعقوب وسخطه لبعض النزعات فاعتقله وفر من محبسه‏.‏ولم يزل الاغتراب مطوحاً به إلى أن هلك‏.‏والبقاء لله‏.‏ونشأ ابنه الناصر بالأندلس فكانت مثواه وموقف جهاده إلى أن هلك‏.‏وأما أخوه علي بن يحيى فأقام بتلمسان وكان من ولده داود بن علي كبير مشيخة بني عبد الواد وصاحب شوراهم‏.‏وكان منهم أيضاً إبراهيم بن علي عقد له أبو حمو الأوسط على ابنته فكان منها ولد ذكر وكان لداود ابنه يحيى بن داود استعمله أبو سعيد بن الرحمن في دولتهم الثانية على وزارته فكان من شأنه ما نذكره في أخبارهم‏.‏والأمر لله‏.‏

  الخبر عن شأن يغمراسن في معاقدته مع ابن الأحمر والطاغية على فتنة يعقوب بن عبد الحق والأخذ بحجرته

كان يعقوب بن عبد الحق لما أجاز إلى الجهاد وأووقع بالعدو وخرب حصونهم نازل إشبيلية وقرطبة وزلزل قواعد كفرهم‏.‏ثم أجاز ثانية وتوغل في دار الحرب وأثخن‏.‏فيها وتخلى له ابن أشقيلولة عن مالقة فملكها‏.‏وكان سلطان الأندلس يومئذ الأمير محمد المدعو بالفقيه ثاني ملوك بني الأحمر هو الذي استدعى يعقوب بن عبد الحق للجهاد بما عهد له أبوه الشيخ بذلك‏.‏فلما استفحل أمر يعقوب بالأندلس وتعاقب الثوار إلى اللياذ به خشيه ابن الأحمر على نفسه وتوقع منه مثل فعلة يوسف بن تاشفين بابن عباد فاعتمل فى أسباب الخلاص مما توهم‏.‏وداخل الطاغية في اتصال اليد والمظاهرة في وكانت مالقة لعمر يحيى بن محلى استعمله عليها يعقوب بن عبد الحق حين ملكها من يد ابن أشقيلولة فاستماله ابن الأحمر وخاطبه مقارنة ووعداً وأداله بشلوبانية من مالقة طعمة خالصة له فتخلى عن مالقة إليها‏.‏وأرسل الطاغية أساطيله في البحر لمنع الزقاق من إجازة السلطان وعساكره وراسلوا يغمراسن من وراء البحر في الأخذ بحجرة يعقوب وشن الغارات على ثغوره ليكون ذلك شاغلاً له عنهم‏.‏فبادر يغمراسن بإجابتهم وترددت الرسل منه إلى الطاغية ومن الطاغية إليه كما نذكره‏.‏وبث السرايا والبعوث في نواحي المغرب فشغل يعقوب عن شأن الجهاد حتى لقد سأله المهادنة وأن يفرغ لجهاد العدو فأبى عليه وكان ذلك مما دعى يعقوب إلى الصمود إليه ومواقعته بخرزوزة كما ذكرناه‏.‏ولم يزل شأنهم ذلك مع يعقوب بن عبد الحق وأيديهم متصلة عليه من كل جهة وهو ينتهز الفرصة في كل واحد متى أمكنه منهم حتى هلك وهلكوا‏.‏والله وارث الأرض‏.‏

  الخبر عن شأن يغمراسن مع الخلفاء من بني حفص الذين

كان يقيم بتلمسان دعوتهم ويأخذ قومه بطاعتهم كان زناتة يدينون بطاعة خلفاء الموحدين من بني عبد المؤمن أيام كونهم بالقفار وبعد دخولهم إلى التلول‏.‏فلما فشل أمر بني عبد المؤمن ودعا الأمير أبو زكرياء بن أبي حفص بإفريقية لنفسه ونصب كرسي الخلافة للموحدين بتونس انصرفت إليه الوجوه من سائر الآفاق بالعدوتين وأملوه للكرة وأوفد زناتة عليه رسلهم من كل حي بالطاعة‏.‏ولاذ مغراوة وبنو توجين بظل دعوته ودخلوا في طاعته واستنهضوه لتلمسان فنهض إليها وافتتحها سنة أربعين‏.‏ورجع إليها يغمراسن واستعمله عليها وعلى سائر ممالكها فلم يزل مقيماً لدعوته‏.‏واتبع أثره بنو مرين في إقامة الدعوة له فيما غلبوا عليه من بلاد المغرب وبعثوا إليه ببيعة مكناسة وتازى والقصر كما نذكره في أخبارهم إلى ما دانوا به ولابنه المستنصر من بعده من خطاب التمويل والإشادة بالطاعة والانقياد حتى غلبوا على مراكش وخطبوا باسم المستنصر على منابرها حيناً من الدهر‏.‏ثم تبين لهم بعد متناول تلك القاصية عليه فعطلوا منابرهم من أسماء أولئك وأقطعوهم جانب الوداد والموالاة‏.‏ثم سموا إلى اللقب والتفنن في الشارة الملوكية كما تقتضيه طبيعة الدول وأما يغمراسن وبنوه فلم يزالوا آخذين بدعوتهم واحداً بعد واحد متجافين عن اللقب أدباً معهم مجددي البيعة لكل من يتجدد قيامه بالخلافة منهم يوفدون بها كبار أبنائهم وأولي الرأي من قومهم‏.‏ولم يزل الشأن ذلك‏.‏ولما هلك الأمير أبو زكرياء وقام ابنه محمد المستنصر بالأمر من بعده وخرج عليه أخوه الأمير أبو إسحاق في إحياء الدواودة من رياح ثم غلبهم المستنصر جميعاً ولحق الأمير أبو إسحاق بتلمسان في أهله فأكرم يغمراسن نزلهم وأجاز إلى الأندلس للمرابطة بها والجهاد حتى إذا هلك المستنصر سنة خمس واتصل به خبر مهلكه ورأى أنه أحق بالأمر فأجاز البحر من حينه ونزل بمرسى هنين سنة سبع وسبعين‏.‏ولقاه يغمراسن مبرة وتوقيراً واحتفل بقدومه وأركب لتلقيه وأتاه بيعته على عادته مع سلفه ووعده النصرة من عدوه والمؤازرة على أمره وأصهر إليه يغمراسن في إحدى بناته المقصورات في خيام الخلافة بابنه عثمان ولي عهده فأسعفه وأجمل في ذلك وعده‏.‏وانتقض محمد بن أبي هلال عامل بجاية على الواثق وخلع طاعته ودعا للأمير أبي إسحق واستحثه للقدوم فأغذ السير من تلمسان وكان من شأنه أن ما قدمناه في أخباره‏.‏فلما كانت سنة إحدى وثمانين وزحف يغمراسن إلى بلاد مغراوة وغلبهم على الضواحي والأمصار بعث من هنالك ابنه إبراهيم وتسميه زناتة برهوم ويكنى أبا عامر‏.‏أوفده في رجال من قومه على الخليفة أبي إسحاق لأحكام الصهر بينهما فنزلوا منه على خير نزل من أسناء الجرالة ومضاعفة الكرامة والمبرة وظهر من آثاره في حروب أبن أبي عامر ما مد الأعناق إليه وقصر الشيم الزناتية على بيته‏.‏ثم انقلب آخراً بظعينته محبواً محبوراً وابتنى بها عثمان لحين وصولها وأصبحت عقيلة قصره فكان ذلك مفخراً لدولته وذكراً له ولقومه‏.‏ولحق الأمير أبو زكرياء ابن الأمير أبي إسحاق بتلمسان بعد خلوصه من مهلكة قومه في واقعة الداعي ابن أبي عمارة عليهم بمرماجنة سنة اثنتين وثمانين فنزل من عثمان بن يغمراسن صهره خير نزل براً واحتفاء وتكريماً وملاطفة‏.‏وسربت إليه أخته من القصر أنواع التحف والأنس ولحق به أولياؤه من صنائع دولتهم وكبيرهم أبو الحسن محمد ابن الفقيه المحدث أبي بكر بن سيد الناس اليعمري فتفيأوا من كرأمة الدولة بهم ظلاً وافراً واستنهضوه إلى تراث ملكه‏.‏وفاوض أبا مثواه عثمان بن يغمراسن في ذلك فنكره لما كان قد أخذه بدعوة صاحب الحضرة‏.‏وأوفد عليه رجال دولته بالبيعة على العادة في ذلك فحدث الأمير أبو زكرياء نفسه بالفرار عنه‏.‏ولحق بداود بن هلال بن عطاف أميراً‏.‏و من بني عامر إحدى بطون زغبة فأجاره وأبلغه مأمنه بحي الدواودة أمراء البدو بعمل الموحدين‏.‏نزل منهم على عطية بن سليمان بن سباع كما قدمناه واستولى على بجاية سنة أربع وثمانين بعد خطوب ذكرناها واقتطعها وسائر عملها عن ملك عمه صاحب الدعوة بتونس أبي حفص ووفى لداود بن عطاف وأقطعه بوطن بجاية عملا كبيراً أفرده لجبايته كان فيه أيقدارن بالخميس من وادي بجاية‏.‏واستقل الأمير أبو زكرياء بمملكة بونة وقسنطينة وبجاية والجزائر والزاب وما وراءها‏.‏وكان هذا الصهر وصلة له مع عثمان بن يغمراسن وبنيه‏.‏ولما نزل يوسف بن يعقوب تلمسان سنة ثمان وتسعين بعث الأمير أبو زكرياء المدد من جيوشه إلى عثمان بن يغمراسن وبلغ الخبربذلك إلى يوسف بن يعقوب فبعث أخاه أبا يحيى في العساكر لاعتراضهم والتقوا بجبل الزاب فكانت الدبرة على عسكر الموحدين واستلحموا هنالك‏.‏وتسمى المعركة لهذا العهد بمرسى الرؤوس‏.‏واستحكمت من أجل ذلك صاغية الخليفة بتونس إلى بني مرين وأوفد عليهم مشيخة من الموحدين يدعوهم إلى حصار بجاية وبعث معهم الهدية الفاخرة‏.‏وبلغ خبرهم إلى عثمان بن يغمراسن عن وراء جدرانه فتنكر لها وأسقط ذكر الخليفة من منابره ومحاه من عمله